تربية الإيمان والتعليم المسيحي

* من محاضرة ألقيت في ايانابا-قبرس في وحدة التربية.

يقولون لنا :
"كيف تتحدثون عن إعطائكم تعليماً مسيحياً فيما الملفت أن الملعب يُزرع بالأوراق والعلب الفارغة بعد الفرص ؟"
"كيف تعــطون التعليم المسيحي والتلاميذ ما زالوا يكذِّبون ويغشّون في الإمتحان، يتنافرون ويضربون بعضهم ؟
"هل التعليم المسيحي يعني أن لا يذهب التلاميذ إلىالقداس ؟"
"إسألوا تلاميذي ،يقول بعضهم ،"إنهم يعرفون غيباً كل التعليم ويجيبون على كل الأسئلة".

 

من منّا لم يسمع مثل هذه العبارات أو ردّات الفعل ؟ من منّا لم يتساءل يوماً عن حقيقة هذه الأمور، وعن كيفية الإجابة عنها ؟ من منّا لم يسأل نفسه عن مدى مسؤوليته إذا رمى التلاميذ الأوراق في الملعب، مع أنه مسرور من  ساعات التعليم المسيحي التي يعطيها وهي  تتميّز بجديتها وعمقها.

في الحقيقة إنّ هذه التعابير قد سمعناها عدة مرات وهي مألوفة وتعبر،دون شك عن مشكلة ،  فهل نكتفي بالصمت أو بالإجابة السريعة ؟
إن المشكلة موجودة وكبيرة ولا تتعلّق بمعلم التعليم المسيحي وحده بل تشمل العائلة والمدرسة والرعية ، وبالوقت نفسه مفاهيم  التربية الدينية والأخلاقية  والثقافة الدينية ، والمفهوم الواسع والمُتوارث عن التعليم المسيحي والموجود في ذهنية كثير من الناس.

ولكي نلقي أضواءً على التربية ونساهم قليلا  في درس هذه المشكلة ، سنحاول تحديد التربية وتفصيلَ المعاني التي تحملُها ، والمجالات التي تعود إليها ريثما نفهم إلىمن تعود المشكلة في هذه الحالات المختلفة وكيف يمكن ان نفهم تربية الإيمان التي تقوم بها الكنيسة والتعليم المسيحي الذي يكشف عن سرِّ المسيح ويُدخل التلاميذ في تقاليد وعادات الكنيسة وحياتها.

 

1-    ما هي التربية ؟
عملية التربية تهدف إلىمساعدة الطفل او الإنسان على النمو وهي تعود إلىالأهل والمجتمع والبالغين الذين يهتمون بالأولاد كي يساهموا في توسيع إمكانيات شخصية كل إنسان في مجالات الثقافة والفكر والعلم وهي من مسؤولية جميع المربين.

فالتربية بمجملها تساعد الأفراد على تكوين شخصيتهم من الناحية العلمية والاجتماعية والخلقية والجمالية والدينية.
وهذه المواقف تعتمد على القيم الإنسانية وحقوق الإنسان. والإنسان قيمة بحد ذاته وفي بلدنا اصبح دون كرامة ولا احترام لأن القيم تدهورت ، ولذلك فالاهتمام بالقيم الأساسية والتربية الأخلاقية ضروري جداً وبدونه لا يمكن أن تقوم تربية تستحق هذا الاسم.
أما مضمون التربية فمتشعب وواسع، لأنه يشمل جميع الجوانب التي من شأنها تحسين وضع الإنسان وانتقاله من حالة العتاقة إلىحياة الجدة، ولذلك قد تعددت التسميات والبرامج وسنحاول التعريف بها.


2- أنواعها:
1) التربية المدنية :
وهي تحمل في طياتها القواعد الاجتماعية والعلاقات الإنسانية والنصائح الوطنية من أجل خلق مواطن صالح يعرف حقوقه وواجباته تجاه الدولة والوطن والعائلة وهذه التربية قائمة ولها برامجها في لبنان. وفي الجزء الثاني من جيل الطليعة عولج هذا الموضوع باسهاب. ونحن لسنا بصدد إعادة البحث به ،  بل يجدر بنا أن نُذكّر بإيجاز ببعض أهدافها  ألا وهي  أن يتعلم الجميع كيفية المحافظة على البيئة والنظافة وقوانين السير وغيرها.

2) التربية الأخلاقية :
هي التربية على القيم الإنسانية والأخلاقية وقواعد التهذيب. فمهما تفاقمت الاختلافات العقائدية، ومهما اختلفت طرق الصلاة أو التعبير، فالإنسان واحد بطموحاته وقيمه. كلنا نتساوى بالبشرية، ويمكن ان نوحّد هذه القيم وأن نجعل منها برنامجاً موحّداً كالتربية على احترام الآخرين بإيمانهم وبكنائسهم والتربية على السلام وعلى المحبة وعلى الانفتاح. أعني بذلك أن نتمرس على اعتبار الآخر أخ مساوٍ لنا مهما كان إيمانه، وبالاحترام وبالتعامل مع الغير بصدق وموضوعيّة.

3) الثقافة الدينية
الثقافة الدينية تشملُ كلَ المعلومات الدينية التي يمكنُ للإنسان أن يحصُلَ عليها وتكون ركيزة في حياته مثلاً كيفية ظهور مختلف الأديان والعبادات ووجودها. وهي تتناول ايضاً أقوال كل ديانة في ما يتعلّق بالكون وبالإنسان ومصدر الخلق وأصل الحياة ومصدرها، ومعناها وقيمتها. بالإضافة إلىأسس الحياة الصالحة ووجود الحياة الثانية والثواب والعقاب.

وتشمل الثقافة الدينية أيضاً التعرّف على المصادر الأولية لهذه الديانات وعلى كتبها. مثلاً، كتب العهد القديم والتلمود مصدر العقيدة اليهودية، والمسيحية الكتاب المقدس والتقليد... وشهادات القديسين والعقيدة الإسلامية في القرآن والحديث.
إنها لا تميّز بين مسلم ومسيحي أو يهودي بل توسع آفاق الإنسان وقد تكون وصفية أي موضوعية وتكون مجرد مادة نتمنّى إدخالها في البرامج الثانوية والتعاطي معها كباقي المواد المدرسية. ويجدر بها ان تواكب برامج التاريخ في مواد الامتحان.

4) التربية المسيحية والتعليم  المسيحي
التربية المسيحية تشمل  التعليم المسيحي  وهي أوسع منه ، لأن الكلمة اليونانية التي تترجم "يربي " تعني عملية قيادة وانتقال من حالة إلىأخرى  أي أن هناك  بداية ونهاية ومراحل بين النقطتين .
والتربية المسيحية التي تقوم بها الكنيسة ، هي عملية قيادة بإتجاه ملكوت الله. وهي وسيلة مهمة تساعد على استمرارية  الكنيسة ونموها وامتدادها، كجماعة تؤمن بيسوع المسيح. هذه هي المسؤولية الملقاة على عاتق الكنيسة ومنشأها : "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم  وعلموهم أن يحفظوا كل ما أوصيتكم به".
وأما  الجهود التي تبذلها الكنيسة في خدمة الكلمة، من ليتورجيا وصلاة ووعظ وتعليم واحتفالات وخدمات أخرى  مختصّة بظروف معيّنة، كلها تهدف إلىإعلان الإيمان وتعليمه وتربيته .أي  نشر الإنجيل والتعرف إلىيسوع المسيح  وإلىاللقاء والاتحاد به. وهي ايضا  تحثّ الإنسان على بلوغ ملء إنسانيته كمخلوق على صورة الله وكخلاّق بدوره.

 

والتعليم المسيحي لا يقتصر على البشارة الأولى بالسرّ المسيحي كما وردت في الكرازة ولكنه عَرْض مفصّل ومنتظم لسرِّ المسيح ومساعدة الإيمان الناشئ على النموّ  ، منفتح على جميع مقومات الحياة ومكانه الحالي في المدرسة وله منهاج وطرق.ويهدف إلىأن يسمع كل إنسان "كلام الإيمان" بملئه، وجملته غير مبتور ولا منقوص ولا مزيف .والتربية المسيحية والتعليم المسيحي  هما  معا  في خدمة تربية الإيمان.

 

3- تربية الإيمان المسيحي
الإيمان هو هبة الروح القدس المجانية لكل إنسان يقبل حدث المسيح الخلاصي، وهذه الهبة تتطلّب تغذية مستمرة تمتد على امتداد الحياة، تأخذ ديناميتها من عودة الإنسان إلىنفسه ليجددها ويرفض الخطيئة ويتابع مسيرته نحو الأب السماوي.

والكنيسة المحلية، التي ينضم إليها المؤمن بالعماد وسائر الأسرار ويشترك، ضمن دعوته واقتناعاته في رسالتها، تُعنى بتربية كل مؤمن على الحياة الليتورجيا وعلى الشركة الأفخرستيا، لأن الانخراط في حياة الكنيسة وممارساتها أمر أساسي وضروري. فعندما تحتفل الكنيسة بالافخرستيا في شركة الأسقف، تستوعب تربية الروح القدس. والجماعة المؤمنة التي يجمعها الايمان الواحد بيسوع المسيح والعماد الواحد باسمه هي المكان التربوي الأول.
وهذه الجماعة تتعاون مع عمل الروح القدس في قلب المعمّد لتأليه الإنسان المؤمن شيئاً فشيئاً، ولنمو الإنسان الجديد فيه. ولا وجود حقيقي للمؤمن خارج شركة الثالوث الأقدس في إطار الكنيسة المحلية سواء كانت بيزنطية أو مارونية أو لاتينية أو غير ذلك. فهي تسعى إلى العيش في هذه الشركة لتكوّن حقاً جسد المسيح الواحد.

فالمنهجية الخاصة بالتربية معروفة لأنها منهجية يسوع المسيح بالذات. وتستند إلى مراحل أربع هي نفسها مراحل تاريخ الخلاص.ولكي نفهمها سنستند إلى تلميذي عماوس لنكتشف هذه المراحل:

 

المرحلة الأولى هي مرحلة الاستكشاف والبحث : أي تحريك أرض المستمع وإحداث فراغ عنده وتشوّق لسماع كلمة الله كما حدث لتلميذي عمّاوس حين دنا منهما يسوع وسألهما : "ما بكما مكتئبين ؟ فأخبراه بكل ما جرى".

المرحلة الثانية هي مرحلة التعليم ، أي البشارة : "وأخذ يشرح لهما الكتب من موسى".

المرحلة الثالثة هي مرحلة الاستيعاب : وذلك حين دخل إلى بيتهما وجلس إلى المائدة وأخذ خبزاً وكسره ... "فانفتحت أعينهما أي عرفاه وذكرا كل ما شاهدا وسمعا قبل ذلك وآمنا".

المرحلة الرابعة والأخيرة هي مرحلة التحوّل أي التغيّر الفعلي : "فقاما ورجعا إلى أورشليم" ... وهذه المرحلة هي عمل الروح القدس في قلب المؤمن الذي سمع البشارة وفهمها.

هذه المنهجية تختلف عن المنهجيات الأخرى وتختصّ بتربية الإيمان المسيحي لذلك لا يمكن خلطها مع غيرها ولا مع بقية المنهجيات التعليمية التي تقتصر على التدريس والمعرفة. فهي تهدف إلى أن يتحوّل الإنسان بمجرد التقائه بيسوع المسيح وكما  يمليه عليه الروح القدس.


النهاية
نودُّ في النهاية أن نعود إلى المشكلة التي عرضناها في البداية لنقول بأنها تأتي من كل هذه المجالات ولا تنحصر أبدا في التعليم المسيحي وحده . وكلامنا كلام مسؤولين ، لأنه مهما كانت عملية التربية شاملة لا بدَّ من تحديد المجالات والمواد والأهداف كي يسعى كلُ مسؤول بدوره إلى بلوغ هدفه .ومعاً تتعاون العائلة والمدرسة والرعية في مجال التربية وتكاملها. ويتفق معلم التربية المدنية ومعلم التربية الأخلاقية وهما نفسهما لكل المواطنين مهما كانت ديانتهم ،على أن يكمل كٌلٌ عمل الآخر . وأما الثقافة الدينية فنأمل إدخالها   مع معلمي التاريخ والجغرافية والآداب ، وهي مادة قد أهملتها المدارس بسبب التزامها بالمواد و بالشهادات الرسمية وببرامجها .عندما يقوم كل بدوره ويسعى لتحقيق هدفه مشكور ،يرتاح قليلا  معلم التعليم المسيحي لأنه هو بحاجة إلى أن يتعاون مع  كل هؤلاء كي  يحل المشكلة التي طرحناها في البداية ،والمسؤول الأول ،الأسقف الذي ينسِّق هذا العمل   .فيتثنى لكل إنسان ، من خلال هذا التنسيق والعمل،  أن يبلغ إلى ملء قامة المسيح ، ويتخلق بأخلاقه وبأطباعه ويعيش حياة محبة وعطاء.
دون التعاون الثلاثي ودون التوافق الرباعي والتوجيه إلى وسائل الإعلام والتضامن معها، لا تربية، ولا إيمان، ولا حياة لإنسان تأنّس المسيح من أجله كي يصبح بدوره إلهًا.

الاخت وردة مكسور