عين الخرّوبة تَلتَقي الأب يوحنّا الخوند : يسوع هوَ المُتَحدِّي الأكبرُ في تاريخِنا البَشريّ

هُنا، في وادِي طاميش الأخضر، يعيشُ الأب يوحنّا الخوند. إنَّه ناسِكُ مَحبسَة مار أنطونيوس قُربَ دير سيّدةِ طاميش (للرّهبانية اللبنانية المارونيّة). يُصلِّي، ويُصلِّي مُجدَّداً، يَكتبُ القصائِدَ الرّوحيّةَ، يَقرأ، يتأمَّلُ في اللّه، يُغنّي لهُ حتَّى الامتِلاء.  وهُو المُلقَّبُّ بـ"الرّاهب يَلّلي بيغنّي". عالَمُه ليسَ من هذا العالَم. دائماً، ترتَفعُ عينَاه إلى السَّماء، إلى فوق – كَثيراً ومن دونِ ِكَللٍ. قابَلناهُ وأتينا بالحَصاد التّالي...

صلاتُهُ
يَقولُ: "أحاوِلُ، بكُلِّ جهدي وملء وَعيِي وحُبِّي، أن أكون َمعَ اللّه بكُلِّيتي، مُصَلّياً دائِماً صلاةً ترجَمْتُها عن الألمانيّة، وهي للنّاسِكِ السّويسري الأخ كلاوس : "ربّي وإلهِي، خُذ منّي كلَّ ما يَصدُّني عنكَ؛ ربّي وإلهي، أعطِني كُلَّ ما يَشُدّني إليك؛ ربّي والهي، خُذ منّي وأعطِني كلِّي لك."

موقِفُه من العالم
تنسُّكُهُ ليسَ مَوقِفاً من العَالمِ، أي ليسَ اقتِناعَاً بأنَّ العالَم، بضَوضائِه وجَمالِه وقُبحِه، لا يوصِلُ إلى اللّه: "العالَمُ لمْ يُزعِجْني يومَاً بضوضائِه، ولا سَحَرَني يوماً بجمالِهِ، ولا نفَّرَني يومَاً بقُبحِه، ولا تعثَّرْتُ فيه يَوماً في طرَيقي إلى اللّه؛ بل كانَ طلَبِي التَّنَسُّك نابِعاً من اقتِناعِي العميقِ في داخِلِي، ومن فَرطِ إعجابي بسيرَةِ أجدادِنا الآباء الحُبَساء الأبطال الّذينَ كانوا يَملأونَ الوادِي المُقدَّسَ وادي قاديشا في الأجيالِ الغابِرَة.

تنسّكه
رغم أن حياة التنسّك ليست سهلةً، وتتطلَّب مُوافقة الرَّئيس العام، فإن اتّخاذ قراره بالتنسُّك لم يكُنْ صعباً، "لقَد كُنت واعداً ربّي ورهبانيَّتي بأن أتفرَّغ للتَّعليم طوال 25 عاماً، لعلِّي أفي لرهبانيتي ما تكلَّفتْ عليَّ من تَعليم وتَثقيف. وقدَّرني الربُّ، فعلَّمت 27 عاماً في كلية اللاهوت الحِبرية في جامِعَة الروح القُدس – الكسليك وفي مراكز لاهوتية أخرى. ولما تأمَّن مَن يُكمِل عنّي التّعليم، طلبتُ الانقطاع إلى الخُلوة والصَّلاة الكامِلة. وهذا من صُلب تُراثِنا الرّهباني، لأنَّ حياةَ المحبسة تَتويجٌ طبيعيٌّ لحياةِ الرّاهب في الدير. لذلك لم أجِدْ أية صُعوبَة، بل وَجَدتُ فَرحي كامِلاً عندما تَسلَّمت من سلطتي الرّهبانية العُليا الجَواب عن طلبي، وكانَ إيجابياً".

أكثر ما يُحبّه
أكثر ما يُحبّه الأب الخوند "هو مَن أحبنا الحُبّ كلَّه، حتى آخر نَسمةٍ على الَّصليب. ومن خلال يسوع، أحبُ الله الآب الذي حدَّثنا عنه مُطولاً في حياتِه، وأحبُ الرّوح القُدس الّذي كانَ مِحوَر حديث يسوع مع تَلاميذه في عشائِه الأخير معهم، ليلة آلامِه وموتِه". ويذكر أيضاً "والديَّ اللذين ربياني على هذا الحُبّ، وخوري ضيعتنا صيدون الذي أنشأني على حُبّ الأسرار المُقدّسة".  وتشمل لائحة الأب الخوند: "رهبانيّتي الّتي غمرَتني بالنِّعَم الإلهيَّة، وجَميع إخوَتي وأخَواتي الّذين التَقيتُهم في حياتي وتعرَّفتُ إليهِم. وأحبُّ أيضاً كُلّ إخوتي المُسلِمين والدُروز واليَهود، وأصلّي كلَّ يوم لأجلِهم كَي يَتعَرَّفوا إلى يسوع المَسيح ويُحبّوه كما أنا أحبُّه."

مع الأب الخوند تظهَرُ الطّريقُ إلى اللّه جَليَّةً كالشّمس. لا تَرَدُّد ولا مُراجعَة. "إنَّها واضِحَة جدّاً، وهي شخصُ يسوع المسيح الّذي قالَ: "أنا الطريق والحق والحياة..."

مَجدُ الحُكّام والسِّياسيّين
يرى الأبُ الخوند" أنَّ تَعدُّدَ الطَّوائفِ والانتماءاتِ السّياسيّةِ والمَذْهبيَّةِ في وَطنِنا هو من أَبرَز تَحدّيات المَسيحيّين اللّبنانيين.
و يُضيف" لكِنّي أراهُ أيضاً نِعمةً فَريدةً لمْ تُعطَ لغيرِنا. فعَلينا أن نُقدِّرَها حَقَّ قدْرِها، فنتصرَّفَ بِحكمةٍ، ونكونَ على استعدَادٍ دائِمٍ للحِوارِ بكُلِّ ما أُوتينَا من قُدرَةٍ على الإقناعِ والأخذِ والعَطاء. ولا أسمَحُ لأَخِي المَسيحيّ إطلاقاً أن يَدخُلَ في نِزاعاتٍ طائفيّةٍ أو سِياسيّةٍ، مهمَا كلَّفَ الأمرُ؛ بل أُريد_ُهُ أن يَبقَى أَميناً في إيمانِهِ، واضِحاً، مُلتزِماً، مُحِبّاً، وشاهِداً لإنجيلِ ربِّه يسوع بصِدقٍ وفَهمٍ وإدراكٍ، لأنَّ القِيَمَ الّتي يَمتازُ بها تُراثُه الغَنيّ فَريدةٌ، وتَستحِقُّ منهُ النّضالَ في سَبيلِها بمَحبّةٍ واحتِرامٍ كبيرَين. وأُحِبُّ أيضاً أن يكونَ أخي المَسيحيّ على مِثال مُعلِّمِه يَسوع، يتَحدَّى الخَطأ ويَبقَى مَعصوماً عَنهُ، ولو كَلَّفهُ ذَلِكَ المَوتَ والاستشهادَ."

رِسالَةُ المَسيح
هل هذه الرّسالة مُهدَّدَةٌ بالخَطَرِ في العالَم الخَارجيّ، بِحيثُ تَبدُو القِيَمُ الّتي جَاءَ من أجلِ نَشرِها ضَائعةً في مَهبِّ الرّيحِ؟ يُجيب الأب الخوند: "يسوع هُو المُتحدِّي الأَكبر في تاريخِنا البَشريّ.  لقد نادَى بأَسمَى القِيَم الإنسانيّة والرّوحية، بالمَحبَّة والمُسامَحة وفعلِ الخَيرِ والسّلام، وجَعلَ الحُبّ "برنامجاً" لملكوتِه الجَديد،  واختارَ لتَحقيقِه تَلاميذَ فُقرَاء، وسَلَّم إليهِم أعظمَ أمانَةٍ ورِسالَةٍ عَرفَها التّاريخُ. ويَتساءَلُ: "مَن قالَ إنَّهُ لا يُمكِنُ لِقادَة الدُّوَلِ إدارَةُ شُؤونِ العالَمِ عِبرَ عَيشِ تَعاليمِ يَسوع وتَطبيقِها؟"

سلامُ المَسيحيّين
بالنّسبَة إلى الأَب الخوند، "إنَّ شَرَّ الشُّرور أن يكونَ المَسيحيّونَ أنفُسُهم مُتخاصِمين بَعضُهم مَع بَعض، ومع جيرانِهم وشُركائِهم في الوَطن،  اسمحي لي بالقول : إنَّهم ليسُوا مُسالِمينَ مع أنفُسهِِم ومع المَسيحِ الّذي منهُ سلامُهم وكُلُّ سَلام . لذلك هُم في وَضعِ خِصامٍ شامِل مع غَيرهِم. وهذا هو مُنتهى التَناقُض في الوَضع اللّبناني، وهُوَ أن يكونَ المَسلَكُ السّياسيّ لزُعمائِنا السياسيّين والمَدنييّن، الّذين يصِلُون إلى مَناصِبهم بِصِفتهِم مَسيحييّن مُنتَمين إلى هذه الطّائفة أو تِلك، غَيْرَ مُنسَجِم مع واقعِهِم المَسيحيّ عندما يَبلُغونَ  هذا المَنصب. بِذلك، يكونون مَسيحيّين بالاسم لا غَير.

أحلامُهُ
أحلامُ الأب الخوند كثيرة: "لقَد تَحقَّق أوَّلُ حُلُمٍ عندما اشترَكْتُ في وَضعِ تَرجَمةٍ جَديدَة ٍمَشرُوحَة للعَهد الجَدِيد صَدَرتْ عَن كلِّية اللاهوت الحَبْرية في جامعة الروح القدس – الكسليك عام 1992. وتَحَقَّقَ لِي أَيضاً حُلمٌ ثانٍ كبيرٍ عِندَمَا شارَكْتُ في تَرجَمة صَلوات الفَرض المارونِيّ في سِتَّةِ أَجزاء. ثُمَّ تَحَقَّق حُلمي الأكبَر عِندَ دُخولِي المَحبَسة وتَكريس كلّ وَقتِي للصَّلاة وتَرجَمة ما أمكَنَ مِن كُتب الصَّلوات الباقِية.

ويبقَى لي حُلمٌ واحِدٌ هو تَلحينُ كُلِّ قصائدي – وعددُها يفوقُ الخَمسين وتتناوَلُ أناجيلَ الآحاد على مَدارِ كُلِّ السَّنة الطّقسيّة.  بَدَأ هَذا الحُلم يتحقَّقُ على يدِ الَأب مَروان عازار الّذي لَحَّن خَمساً مِنهَا حتَّى الآن، وسَجَّلَها في شَرائِط كاسيت. لقد اكتشَفْتُ، من زمنٍ بعيد، أنَّ الأُغنيَةَ طَريقٌ مُباشَرٌ إلى قُلوبِ إخوَتِي البشر. لِهذا أََحببْتُ ما سَمّونِي بِه: "الرّاهِب يَلّلي بيغَنّي." والآن، في مَحبَسَتي، انقَطَعْتُ عن الغِناء، لكنّي ما زِلْتُ أكتُب، وغَيرِي يُلَحِّن ويُغنّي. وأنا أُصَلِّي وأَحلُمُ بأن يَسمَعها جَميعُ النّاسِ ويُردِّدُوها ويَفرحُوا بالرَّب معي ويَخلَصُوا."

كَلِمتُهُ الَأخيرَة
أنا أُصلِّي لأَجلِ نيّاتٍ خَمسٍ أعتبرُها رِسالَتي الّتي ائتُمِنْتُ عَليهَا في مَحبَسَتِي: الأولَى عَلى نيَّةِ راعِي كُلِّ أبرَشيَّةٍ، والأسقُف وكُلّ كَهنَتِه، والرُّهبان والرَّاهِبات والحَركَات الرَّسُوليّة من كُلِّ الطَّوائِفِ المَسيحيَّة؛ والثّانية على نيَّة كُلِّ أبٍٍ وأمٍّ التَزَما العَائِلة؛ والثّالثة على نيَّة كُلِّ الأطفالِ والشَّبيبَة؛ والرَّابِعَة على نِيَّة كُلِّ عائلة تُعانِي مُشكِلَةً خاصَّة؛ والخَامسة على نيَّة كُلِّ الإخوة غَير المَسيحيّين "الّذينَ يطلُبُ منهُم الأب الخوند" أن يَحترِمُوا عَيشَنا المُشتَرَك تَحتَ سَقفِ اللّهِ الواحِدِ وسَماءِ لُبنان الواحِدَة، وأن يتَعرَّفوا، مِن خِلالِنا، إلى شَخصِ يَسوع المسيحِ الحَقيقيّ، لِنَلتقيَ فيهِ معاً.  ويضيفُ الأبُ الخَوند إلى هَذه الصَّلواتِ "صَلاتِي من أجلِ إخوَتِي اليَهُود، طَالباً لهُم أن يَستَبدِلُوا لُغَة التّهديدِ والقُوّةِ بِلُغةِ الحِوارِ والسَّلام، مهمَا كَلَّف الَأمر.

 

وأنهَى الأبُ الخوند حديثَهُ اللاهوتي ببيت شعر "أوجِّهه إلى كلِّ اخوتي اللبنانيين"، على حدِّ قولِه، جاء فيه:
"بِسْأَل سُؤال وما بلاقيلُو جَواب:
ليش اختلفنا وكيف عَ كمْشِة تراب؟
هالأرض عم بِتْساعْنا لمَّا نموت،
بِتْساعْنا تَ نعيش ومنبقى حْباب."