النهار : "وجوه حوارية" استمرت للسنة الثانية في القلبين الأقدسين مكسور: هدفنا الوصول إلى الآخر وتكريس الانفتاح والتواصل

باسكال عازار - 24 أيار 2014

ليست مباراة "وجوه حوارية" المبادرة الأولى التي يحاول مركز التربية الدينية في رهبانية القلبين الأقدسين استثمارها في مجال بناء الإنسان وتعزيز الحوار الصادق بين الأديان. فللمركز مبادرات عديدة في هذا المجال انبثقت من عمق الحرب، وشكلت حينها محاولات جريئة لصدّ المذهبية والعنف والعزل المناطقي.

مبادرة "وجوه حوارية" الحديثة العهد منبثقة من عمق مجتمع لا يزال يعيش طيف حرب باردة في النفوس يحاول المركز دفنها.
وفي حديث لـ"النهار" أشارت مديرة مركز التربية الدينية في رهبانية القلبين الأقدسين الأخت وردة مكسور إلى أن "الرهبنة أرادت منذ البداية، المركز الذي دخل عامه الـ32، منفتحا على الأديان الأخرى، خصوصا وأن رهبنتنا تنص في دستورها أننا للإنسان من دون تمييز نعمل معه حتى يبلغ ملء إنسانيته". وبالاستناد إلى ما نصّ عليه دستور الرهبانية تمكّن المركز من "وضع سلسلة كتب لكل الصفوف المدرسية بعنوان "يسوع طريقنا" لا نتناول فيه الأديان الأخرى إنما التعليم المسيحي فقط، بحيث نعلّم تلامذتنا الإنفتاح على الآخر، انطلاقا من القيم المسيحية الإنسانية، ونعلمه احترام الآخر والعيش معه ملء الحبّ لأن الآخر هو الحبّ".
صدى "إيكو"
شكلت مجلة "إيكو" التي أطلقها المركز في عام 1982 وسيلة لخرق العزل الذي فرضته الحرب بين المناطق اللبنانية، وكانت لغة حوار جامع ومناهض للغة المدفع. وأوضحت مكسور أن المجلة "هي مجلة ثقافة دينية تتناول كل الأديان، واستخدمناها كصلة وصل خلال الحرب بعدما قطعت الطرق وبات من الصعب الذهاب إلى المناطق الأخرى. وكي نقف بوجه العزل، اخترعنا هذه الوسيلة التي كانت قادرة على الوصول إلى عين إبل وعندقت وبعلبك". أضافت: "نشرنا مواضيع تتناول حوار الأديان وتعرّف بها وأجرينا سلسة من المقابلات مع شخصيات بارزة من بينها العلامة السيد محمد حسين فضل الله، وفي عزّ الكراهية والبغض كانت مجلّتنا تحمل عناوين حوارية عريضة مع شخصيات من الأديان الأخرى".
أما مباراة "وجوه حوارية" فكانت "وليدة مشاركتي منذ ثلاثة أعوام في مؤتمر بعنوان "وجوه حوارية" في الجامعة اليسوعيّة وأحزنني غياب الشباب عنه، فحرّكني الموضوع وفكرت أن لدى رهبانيتنا 35 مدرسة في إمكاننا العمل معها وبث روح الحوار بين تلامذتنا، شباب الغد ومستقبل الوطن. فتحدّثت إلى فريق العمل، وجمعنا عناصر من مدارسنا وعرضت عليهم المشروع قاوم بعضهم الفكرة بسبب الصعوبات التي يخلفها الحاجز الطائفي ولأن لدينا أفكاراً مسبقة وموروثة عن الآخر، وفي النهاية عملنا مع 9 مدارس". وطلب المشروع من كل مدرسة مشاركة "تصوير شريط مصور عن شخصيتين، واحدة حية وأخرى متوفاة، من المنطقة التي تقع فيها المدرسة، وتسليط الضوء على مساهماتها ودورها في موضوع حوار الأديان والإنفتاح على الآخر وتأثيرها في المجتمع، على ألا تتعدى مدّته 6 دقائق. وبما أن المشروع يتطلب تقنيات لا يملكها تلامذتنا، تعاونا مع جامعة الـAUST التي ساهم طلابها في مساعدة تلامذتنا، في التصوير والإخراج والمونتاج. وفي النهاية عرضت هذه الأفلام على لجنة حكم مؤلفة من شخصيات سياسية ودينية وإعلامية بارزة، وفازت في النهاية ثلاث مدارس".
الذهاب إلى الآخر
لاقت مبادرة "وجوه حوارية" استحسانا من المدارس الأخرى، فتحمست وفق مكسور على المشاركة، "تشارك معنا اليوم 13 مدرسة من رهبانية القلبين الأقدسين، مع الإشارة إلى أن مدارس المبرّات طلبت منا المشاركة السنة المقبلة، بالإضافة إلى مدارس مسيحية أخرى، وطبعا إن طلبها يفرحنا".
أما ما يميّز المسابقة هذه السنة عن العام الماضي هي "أننا لم نحتج إلى مساعدة طلاب الجامعات، إذ قمنا بزيارة كل المناطق وتدريب تلامذتنا على التصوير ووضع السيناريو والمونتاج، وقد ساعدنا ذلك في اكتشاف المواهب والطاقات فيهم وشعرنا أننا نتحدث معهم وفق لغة العصر بسبب كل هذه التقنيات الجديدة التي اختبرناها معا". أضافت مكسور: "الجميل في هذا المشروع أن على التلامذة مغادرة مدارسهم للذهاب إلى الآخر حيث هو، وهذا يدربهم على الحوار العملي، إذ يذهبون في الزيارة الأولى للقيام بالبحوث واختبار المحيط، ويجرون المقابلة في الزيارة الثانية".
أما الهدف من المشروع فهو وفق مكسور "تحقيق الخطوة الأولى بالذهاب إلى الآخر والتعرف إليه، ما يسقط الأفكار المسبقة ويساعد في مدّ الجسور وخرق جدران المذهبية والتعصب. إن رهبانيتنا تؤمن بالإنسانية ونحن نريد أنسنة الإنسان، ونؤمن أن في إمكاننا أن ننقل فرحنا للآخر".
أما عن فاعلية المشروع وانعكاساته على التلامذة فقالت: "شعرنا منذ السنة الأولى أن المشروع ترك بصمة على انطلاقة التلامذة وإرادتهم ورغبتهم في المشاركة والتعبير، حتى إنهم باتوا يقدرون قيمة الوقت والجهد، واكتسبوا مهارات على مستوى التقنيات السمعية والبصرية، وهذا يساعدهم في الخلق وتوسيع تفكيرهم". وأملت في "ألا يدفن الكبار بذور الحوار التي نوجدها عند الصغار من خلال الخطاب والأعمال المناقضة له". أما عن فاعلية المشروع وسط الأجواء المشحونة فقالت: "نحن أبناء الرجاء ونأمل خيرا دائما من شبيبتنا لأنها هي مستقبل الوطن ومنها ستخرج طبقة الحكام ولا بدّ لعملنا عليها أن يؤثر في مكان ما".
ويعقد مركز التربية الدينية لرهبانية القلبين الأقدسين بالتنسيق مع "أديان"، المنتدى الشبابي الثاني لوجوه حوارية 2014، اليوم في مدرسة راهبات القلبين الأقدسين – عين نجم، في رعاية الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي حيث ستعرض أفلام مصوّرة عن شخصيات حوارية بارزة وستوزع الجوائز على ثلاث مدارس فائزة.



مديرة مركز التربية الدينية في رهبانية القلبين الاقدسين الاخت وردة مكسور. (ناصر طرابلسي)